أبو حامد الغزالي

163

تهافت الفلاسفة

فأما الأول فهو الذي اختاره « ابن سينا » ، فإنه زعم أنه يعلم الأشياء كلها بنوع كلى ، لا يدخل تحت الزمان ، ولا يعلم الجزئيات التي يوجب تجدد الإحاطة بها تغيرا في ذات العالم . فنقول : علم الأول بوجود كل الأنواع والأجناس التي لا نهاية لها ، عين علمه بنفسه ، أو غيره ؟ ! ، فإن قلتم : إنه غيره قد أثبتم كثرة ، ونقضتم القاعدة ، وإن قلتم إنه عينه ، لم تتميزوا عمن يدعى أن علم الإنسان بغيره عين علمه بنفسه ، وعين ذاته ، ومن قال ذلك ، سفه في عقله ، وقيل « 1 » : حد الشئ الواحد ، أن يستحيل في الوهم الجمع فيه بين النفي والإثبات ، فالعلم بالشئ الواحد ، لما كان شيئا واحدا ، استحال أن يتوهم في حال واحدة موجودا ومعدوما ، ولما لم يستحل في الوهم أن يقدر علم الإنسان بنفسه ، دون علمه بغيره ، قيل : إن علمه بغيره غير علمه بنفسه ، إذ لو كان هو هو ، لكان نفيه نفيا له ، وإثباته إثباتا له ، إذ يستحيل أن يكون زيد موجودا ، وزيد معدوما ، أعنى هو نفسه في حال واحدة ، ولا يستحيل مثل ذلك في العلم بالغير مع العلم بنفسه ، وكذا في علم الأول بذاته ، مع علمه بغيره ، إذ يمكن أن يتوهم وجود أحدهما دون الآخر ، فهما إذن شيئان ، ولا يمكن أن يتوهم وجود ذاته ، دون وجود ذاته ، فلو كان الكل كذلك ، لكان هذا التوهم محالا ، فكل من اعترف من الفلاسفة بأن الأول يعلم غير ذاته فقد أثبت كثرة لا محالة . فإن قيل : هو لا يعلم الغير بالقصد الأول ، بل يعلم ذاته مبدأ للكل ، فيلزمه العلم بالكل بالقصد الثاني ، إذ لا يمكن أن يعلم ذاته إلا مبدأ ، فإنه حقيقة ذاته ، ولا يمكن أن يعلم ذاته مبدأ لغيره ، إلا ويدخل الغير في علمه ، بطريق التضمن واللزوم ، ولا يبعد أن تكون لذاته لوازم ، وذلك لا يوجب كثرة في ماهية الذات ، وإنما يمتنع أن تكون في نفس الذات كثرة .

--> ( 1 ) كذا في الأصول ، ولو كان بدلها « إذ » لكان أصوب .